أحمد بن علي القلقشندي
84
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
وسعادة بالخلافة التي عدق ( 1 ) إليه أمرها وأوضح سرّها ، وملأ سرائرها وسريرها ، وأطلع شمسها وقمرها . بمولانا وسيدنا أمير المؤمنين تتوالى ميامنها ، وتتلألأ محاسنها ، وتشرف درجاتها ، وتتضاعف سعادتها ؛ والكلمة قائمة على أصولها ، وأمور الخلق جارية على ما هو لها ، ونظام الإسلام بسياستها لا يهي ، وسياقة الدوام في سعادتها لا تنتهي ، واللَّه الموزع شكر هذه المنن ، المسؤول في الإنهاض لما نهضت فيه النيّة وقصرت عنه المنن ؛ ولم نزل - أدام اللَّه إقبال الملك المعظم - معظَّمين لأمره ، عارفين نبل قدره وجليل فخره ، مشيدين بجميل ذكره وجزيل نصره ، معيدين لما تتهادى الألسن من مستطاب نشره ، قارئين من صفحات الأيام ما أمدّها به من بشره ، غير مستيمنين لذكر اسمه الكريم إلا بصيامه وشكره ، موردين مما هو يبلغه من بارع ضرائبه بالمقامات الشريفة من آثار سلفه ومآثرهم ، ومأثور مكارمهم ومفاخرهم ، واستناد المكرمات إلى أوّلهم وآخرهم ، ومشهور ذبّهم عن الملَّة ودفاعهم عن أهل القبلة ، وسدادهم في الأمور ، وسدادهم الثّغور ، وسيادتهم الجمهور ، وإستقلالهم بالمشقّات المتقدّمة ، وإخمادهم نيران الخطوب المضطرمة ، وكفّهم سيول السيوف العرمة ، وموالاتهم أمور الدولة العلويّة التي اشتهر بها منهم الأكابر ، وورثها كابر عن كابر ، وحافظوا منها على سيرة معروف لا ينسخ ، وعقد صفاء لا يفسخ ، وسريرة صدق تستقرّ في الضمائر وترسخ ، وتتوضّح بها غرّة في جباه السبق وتشدخ ( 2 ) ؛ وتستهدي عند إيراد هذا الذّكر العطر ، والثناء المشتهر ، من الدعوات الشريفة العاضديّة المعضودة بالنّجح ، المتوضّحة عن مثل فلق الصّبح ، ما يتهلَّل لمساعيه بالميامن المستهلَّة ، ولمراميه بالإصابة المتصلة ، بينه وبين هذه الدولة العالية ، والخلافة الحالية ، بكتاب منه نهجنا فيه طريقها اللاحب ( 3 ) ، واستدعينا به إجابته التي تتلقّى بالمراحب ؛ وأعلمناه أنّ تمادى الأيام
--> ( 1 ) لم نجد للفظ « عدق » - بالدال المهملة - معنى مناسبا هنا . والأرجح أنها بالذال المعجمة . وعذق فلانا إلى كذا : نسبه إليه ؛ وعذق به : لصق به . والمراد : أوكل إليه أمرها ونسبت إليه . وقد استعمل القلقشندي هذا اللفظ مرارا في الصبح ؛ وجميع تلك الاستعمالات تحمل المعنى الذي أشرنا إليه . ( 2 ) شدخت الغرة شدوخا في الوجه : اتسعت . ( 3 ) اللاحب : الواضح .